فوزي آل سيف

126

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

وفئة ثالثة: لم تكن ترى أن الأمر يعنيها، فهي لاهية بأمور حياتها، ولا ترى الأمر مرتبطاً بها، فلا هي معارضة للحكم الأموي ولا مؤيدة وليست هي في صف الإمام الحسين ولا معارضة له، وهذه هي الفئة الأكبر عادة في المجتمعات. ونعرض هنا إلى مواقف أشخاص متعددين يتوزعون على هذه الفئات؛ فهذا مروان بن الحكم - الطامع الدائم في ولاية المدينة والذي لعب به معاوية طيلة عشرين سنة يرقصه على هذا الحبل، فمرة ينصبه وأخرى يعزله وهكذا حتى لقد فات المؤرخين أن يحصوا عدد المرات التي عزل فيها عن ولايتها كما فاتهم عدد مرات تنصيبه - جاء إلى الحسين عليه السلام، وقال له: إني أرشدك لبيعة يزيد، فإنها خير لك في دينك ودنياك![188]. وكان جواب الإمام الحسين عليه السلام وموقفه هو الذي أعرب عنه فيما سبق لمعاوية حيث قال له: "لَعَلَّكَ تَصِفُ غَائِبًا أَوْ تَنْعَتُ مُحْجُوبًا"! فدعه وما اختاره لنفسه من اللعب بالقرود، والحمام السبق لأترابهن، ودع عنك ما تحاول هنا قال لمروان: وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم قال: يا مروان أترشدني إلى بيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق. وإذا كان الأمر طبيعياً في موقف مروان بن الحكم بن العاص، فإنه سيكون مفاجئاً في حق عمر الأطرف [189]بن علي بن أبي طالب، ابن الصهباء التغلبية، أخو الإمام الحسين عليه السلام، وأصغر منه ربما بـ 15

--> 188 ) بيضون؛ لبيب: موسوعة كربلاء 413 عن (مقتل الحسين للخوارزمي، ج ١ ص ١٨٤): لقيه مروان فقال له: يا أبا عبد الله إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد. فقال: وما ذاك؟ قل أسمع. فقال: إني أرشدك لبيعة يزيد، فإنها خير لك في دينك وفي دنياك. فاسترجع الحسين عليه ‌السلام وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم قال: يا مروان أترشدني إلى بيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق!. لقد قلت شططا من القول وزللا، ولا ألومك فإنك اللعين الّذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد. إليك عني يا عدوّ الله، فإنا أهل بيت رسول الله، الحق فينا ينطق على ألسنتنا، وقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه». 189 ) عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب (توفي 85 هـ) أمه تغلبية وهي الصهباء أم حبيب بنت عباد، قيل إنه ولد في زمن عمر بن الخطاب، فطلب عمر من علي عليه السلام أن يهب له تسميته قال: فهب لي اسمه، لا نعلم عن شبابه كيف كان ولكن لا يظهر من النتائج التي صار إليها أنه كان في (اجواء الحسنين عليهما السلام)، فإننا نلاحظ أول موقف له فيما يرتبط بنهضة أخيه الحسين عليه السلام، ذكر فيه أنه دعاه لبيعة يزيد لأنه في غير هذه الحالة سيكون مقتولا! فقد نقل أنه قال للحسين إن الحسن بن علي أخبره: أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك. قال الحسين: «حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها.." وإذا تمت هذه الرواية ففيها نكير واضح عليه، بأنه ممن آذى فاطمة! بل لقد نقل أنه لما جاء خبر مقتل الحسين عليه السلام لم يظهر التأثر المطلوب بل رأى نفسه ـ لحمقه ـ (الفتى الحازم) حيث لم يخرج معهم إلى كربلاء وإلا لكان مقتولا!! ولا تكتفي كتب التاريخ بهذا المقدار من المواقف السيئة عنه بل تنقل أنه كان ينازع أبناء فاطمة عليها السلام ولاية صدقات أمير المؤمنين مع أن المعلوم أن ولاية الصدقات خاصة بأبناء فاطمة دون سائر أبناء أمير المؤمنين، وهذا كان معلوما حتى عند الأمويين! لكن هذا (العُمر) جاء ينازع الامام السجاد عليه السلام تارة والحسن المثنى أخرى في ولاية الصدقات، وهما محقان في ولايتهما وهو مبطل! فقد روي أنه خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي « صلى الله عليه وآله » وأمير المؤمنين « عليه السلام »، فقال: يا أمير المؤمنين أنا ابن المصدق وهذا ابنُ ابنٍ، فأنا أولى بها منه! فتمثل عبد الملك بقول أبي الحقيق: إنا إذا مالتْ دواعي الهوى * وأنْصَتَ السامعُ للقائلِ واصطرع الناس بألبابهم * نقضي بحكمٍ عادلٍ فاصلِ لا نجعل الباطلَ حقاً ولا * نَلُظُّ دون الحق بالباطلِ نخاف أن تُسْفه أحلامنا * فنخمل الدهر مع الخاملِ. قم يا علي بن الحسين فقد وليتكها. بل كان يستعين بالحجاج الثقفي على أبناء اخوته للحصول على ولاية تلك الصدقات والوقفيات. وبالرغم من محاولة بعضهم الاعتذار له باصطناع أن هناك شخصين بل الزعم أنه كان حاضرا كربلاء!! وأن الأخبار غير الحسنة راجعة لذاك.. أو تكذيب بعض الأخبار إلا أن الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق التستري في قاموس الرجال، حيث قال جازما: بعدم حضوره الطف قطعا، وما نقل عن كتاب أبي مخنف فالكتاب مجعول وموضوع، ونفى احتمال وجود شخص آخر بهذا الاسم من ولد علي عليه السلام.. وبالتالي فإنه بهذه المقدمات ينتهي إلى سوء حاله. (للتفصيل يراجع سر السلسلة العلوية، وعمدة الطالب، واللهوف، وشرح الأخبار وغيرها)